2008 / 08 / 27
بقلم: ماريا أباكوفا، معلقة "نوفوستي"
حالما أعلنت روسيا انتهاء عملية إرغام جورجيا على السلام، توالت عليها زيارات السياسيين الشرق أوسطيين. وبعضها كانت مقررة مسبقا، وبعضها غير متوقعة. والقضية تتلخص في أن "حرب القوقاز" أثرت بشكل ملموس على الوضع في الشرق الأوسط.
فإثر زيارة الرئيس السوري بشار الأسد والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى روسيا، أصبح معروفا أن رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت ينوي زيارة موسكو في القريب العاجل. وأعلن مارك ريجيف، السكرتير الصحفي لرئيس الوزراء الإسرائيلي لنوفوستي أنه "تجري مناقشة هذه الإمكانية بجد، ولكن لم يتخذ بعد القرار النهائي".
وعلى ما يبدو، لا غريب في نشوء فكرة زيارة أولمرت فجأة، لأنه ليس نادرا عندما يسارع السياسيون الإسرائيليون لزيارة العاصمة الروسية في وقت واحد تقريبا من مبعوثي سورية أو إيران. وهذا لا سيما وأنه تنشأ شائعات كثيرة إثر هذه الزيارات، وخاصة فيما يتعلق بالتعاون العسكري التقني أو في ميدان الطاقة الذرية. ولكن ما حاجة رئيس وزراء إسرائيل لزيارة روسيا قبل أسبوعين من استقالته؟ ويجدر التذكير هنا بأنه من المقرر أن يجري في 17 سبتمبر انتخاب قيادة جديدة لحزب "كاديما" الذي يترأسه أولمرت، وبعدها ينوى الأخير الاستقالة والتخلي عن منصب رئيس الوزراء للفائز. كما إن وقت الزيارة ليس مناسبا جدا، لولا قضية واحدة تفرض على رئيس الوزراء تأجيل كافة الأعمال والسفر إلى روسيا.
فإن الاستعجال في زيارة أولمرت ناجمة عن الرغبة في توضيح سياسة إسرائيل إزاء جورجيا. فقد تبين أن حرب القوقاز هي جزء من لعبة جيوسياسية تشمل الشرق الأوسط الكبير. وليس من قبيل الصدفة قارن الرئيس بشار الأسد في المباحثات مع الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف، الحرب الأخيرة في القوقاز بالوضع في الشرق الأوسط. فقال الرئيس السوري إن "هاتين القضيتين متشابهتان في الغالب، لاسيما وأن للمنطقتين أهمية استراتيجية في النظام العالمي". وهذا بلا ريب تلميح إلى تدخل الولايات المتحدة، والصراع على السيطرة على موارد الوقود الغنية الموجودة في بواطن الأرض بالمنطقتين.
وهناك ترابط آخر. فقد كتبت صحيفة "جيروزاليم بوست" قبل بضع سنوات، أن الولايات المتحدة تنوي استخدام أراضي جورجيا لضرب إيران. ولا شك في أن هذا مجرد احتمال، ولكنه واقعي تماما. وإذا كان لا يزال هناك ارتياب برغبة إسرائيل في ضرب إيران، وخصوصا ليس من أراضيها، فأن اللعب ضد موسكو ليس في مصلحة إسرائيل، علما بأنها، كما ظهر، متورطة في هذه اللعبة رغبت بذلك أو أبت.
واستغل جيرانها في المنطقة هذا. فخلافا للبلدان الغربية أيد الكثيرون في العالم العربي والإسلامي موسكو. كما أن توريد إسرائيل السلاح إلى تبليسي، وكذلك مساعدة الإسرائيليين للعسكريين الجورجيين أثارا خلال النزاع الأخير في أوسيتيا الجنوبية ضجة كبيرة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن العلاقات الجورجية الإسرائيلية الوثيقة طبيعية تماما، مراعاة لوجود جالية اليهود الجورجيين في إسرائيل الذين يصل عددهم إلى أكثر من 100 ألف. ونقتصر على ذكر مثالين: جدة رئيس وزراء إسرائيل السابق أرييل شارون مدفونة في تبليسي، والوزيران الجورجيان ـ الدفاع دافيد كيزيراشفيلي، والدولة لشؤون إعادة التكامل تيمور ياكوباشفيلي كانا يعيشان في إسرائيل. وإن الحقيقة الأخيرة توضح تواجد الخبراء العسكريين الإسرائيليين في جورجيا بمن فيهم العميد المتقاعد جال هيرش.
وتجدر الإشارة إلى أن بيع إسرائيل السلاح إلى الخارج يحمل، كقاعدة، طابعا تجاريا. ولكن التعاون مع الجورجيين في هذه المرة كان مضرا لإسرائيل.
وخير مثال على ذلك تصريح رئيس حركة "حزب الله" اللبنانية حسن نصر الله بأن جال هيرش الذي هزم في لبنان، توجه إلى جورجيا، وخسروا هناك بسببه أيضا.
وتناقلت وسائل الإعلام حكايات تشير إلى أن روسيا انتقاما من إسرائيل، ستزود سورية بصواريخ "اسكندر"، وعلى العموم ستعزز التعاون العسكري التقني مع هذا البلد، مخلة بذلك بميزان القوى في الشرق الأوسط ليس في صالح إسرائيل. وعلى هذه الخلفية لم يرق لقيادة إسرائيل بكل جلاء تصريح الرئيس الجورجي ميخائيل سآكاشفيلي بأن "السلاح الإسرائيلي كان فعالا جدا". فإنها ليست بحاجة إلى هذه الدعاية لسلاحها. كما أنها لم تكن بحاجة إلى أن تكون في مركز المواجهة بين موسكو وتبليسي. ولدى الخيار بين التعاون العسكري التقني مع جورجيا والعلاقات الطبيعية مع روسيا، فإن إسرائيل تفضل بلا ريب الأخيرة.
وإن وزارة الخارجية الإسرائيلية كانت توصي خلال نزاع القوقاز بإصرار بتجميد توريدات السلاح إلى جورجيا.
ومراعاة لهذه الحقيقة لا يمكن أن يدور الحديث عن انتقام موسكو من الإسرائيليين. كما توفرت لدى روسيا فرص إضافية للمناورة الدبلوماسية على اتجاه الشرق الأوسط، وبالتحديد الأمل في أن ينعقد في موسكو مع ذلك مؤتمر التسوية السلمية للنزاع العربي الإسرائيلي المقرر منذ فترة طويلة. ويتعين على إسرائيل مراعاة ذلك.
(المقالة تعبر عن رأي كاتبتها)
http://ar.rian.ru/analytics/articles/20080827/116300320.html
الأربعاء، ٢٧ أغسطس ٢٠٠٨
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق